
الاستقلال وشيء أخر
صادق النيهوم
لو كنت شاعراً لكتبت لكم اليوم قصيدة عصماء في مدح الاستقلال، وشرحت لكم فوائده على قافية الطاء، فالحوادث الكبيرة لابد أن يتحدث عنها المرء شعراً، ويختار لها قافية معقدة بقدر الإمكان، لكي يصيب عمال المطبعة بالدوار .. أعني إذا كان المرء شاعراً.
فهل نتحدث بلغة أخرى؟.
ليبيا بلد كبير، أكبر من تكساس مرتين وأكبر من مجموعة الدول التالية معاً : هولندا، يوغسلافيا، النرويج، سان مارينو، ليخنتشتاين، موناكو، ايرلندا، البرتغال ومالطة .. ولو حمل الطوفان هذه الدول ووضعها فوق رمالنا فمن المحتمل ألا يعثر عليها أحد إلا بالصدفة.
أليست ليبيا بلداً كبيراً؟.
أما سكانها فمازالوا أقل من سكان شارع سوشيرو في طوكيو، ومازال المرء قادر على أن يضعهم في أربع عمارات مثل الأمباير ستيت ويضع في خدمتهم مليوناً آخر من سكان هونغ كونغ دون أن يتورط في أزمة إسكان .. ذلك يعني أن ليبيا _ مع موريتانيا وأستراليا إحدى بلدان العالم الثلاث التي يملك كل فرد فيها ألف متر مربع من الأرض، يستطيع أن يحيطها بسياج ويجلس داخلها دون أن يأتي أحد لمزاحمته حتى ينكسر قلبه من الوحدة أو يعود هارباً إلى أرصفة المدينة .. هذه النسبة ترتفع في موناكو إلى خمس عشرة ألف نسمة داخل الكيلو متر الواحد .. وفي مكاو إلى اثنين وعشرين ألف!.
إن العالم يختنق في الزحام.
أما نحن فما زال لدينا نصف مليون سنة لتحقيق هذه النسبة الفظيعة، ونبدأ في حفر الأنفاق لكي يمشي المارة فوق رؤوس بعضهم ..نصف مليون سنة وبضعة شهور.
فهل نتحدث عن النقود؟.
إننا لسنا شعباً غنياً كما يقول الشعراء الطائشون الذين يعتقدون أن تصدير براميل البترول في قوارب الشركات عملية ذهبية مثل أسطورة ميداس ..إننا ما زلنا فقراء إلى حد محزن، وما زلنا بلداً نامياً مثل أي بلد آخر في أفريقيا أو آسيا، رغم قصائد الشعر .. و ميداس.
فالثروة لا تقاس بكمية النقد.
بل بكمية الفائض بين الإنتاج وبين الاستهلاك، وإذا جاء ميداس اليوم، وسخّر الجبل الأخضر ذهباً فإن ذلك لن يصنع منا شعباً غنياً بقدر ما يعرض قطعان الماعز للموت جوعاً فوق تلال الذهب .. ثم يخل بقيمة المعدن نفسه عندما نضطر لتصديره في عنابر السفن لكي نشتري رطلاً من البصل المعلب من أمستردام.
فالنقود مجرد تقييم للعمل .
وإذا جاء مع الريح أو حملها ميداس فإنها تظل وتظل مصدراً للرخاء المؤقت بجانب أخطار التضخم وفقدان السيطرة على ميزان الواردات.
فقد خرج الحفّارون الأمريكيون من معركة الذهب فارغي الأيدي.
وانتهت أيام الثورة فجأة لكي يجد الحفّار نفسه في مواجهة الموت جوعاً دون أن يكون لديه سوى كيس الذهب الفارغ وديون صاحب البقالة والحلاق .. وقد عانت أمريكا إذ ذاك مشكلة إيجاد الخبز لأول مرة ثم انزلقت في عملية إفلاس كلية انتهت بالمجاعة العامة التي وضعت الولايات المتحدة على حافة الانقراض.
وكان ذلك هو الدرس الذي أحسن الأمريكان فهمه عندما بدأت عمليات الحفر عن البترول في أواخر القرن نفسه، فقد سارعت الحكومة الفيدرالية لحماية مصدر الخبز المتمثل في الزراعة وفرضت على الشركات قانوناً معقداً في تحديد مناطق الحفر بحيث لا يتم حفر بئر واحد بأيدي العمال المزارعين في موسم الحرث أو الحصاد ولا تسرق الشركات مصدر الطاقة العامل في الزراعة .. وكانت أمريكا قادرة على إنتاج تسعين في المائة من بترول العالم إذ ذاك، ولكنها لم تحفر سوى سبعة عشر بئراً خلال عام 1894 ثم أوقفت عمليات الحفر بموجب قانون يرمي إلى تخزين الاحتياطي تحت رعاية الدولة، وظهر الاصطلاح الشهير المعروف باسم الإنتاج المتجدد وهو ما نسميه نحن بالزراعة فحقل القمح يمكن أن يعمل كل عام وإلى الأبد .. أما بئر البترول فلا يمكن استغلاله إلا مرة واحدة .. أي أنه ليس إنتاجاً متجدداً وليس إنتاجاً مباشراً أيضاً .. إنه مجرد استهلاك لإيجاد الطاقة المحرّكة للإنتاج الصناعي .. والذين يبيعونه مقابل الخبز يقومون بعملية مبادلة سلعتي استهلاك لا يمكن أن تقود إلى أي نمو قاعدي.
أي أن ليبيا – رغم البترول – سوف تظل تنفق مدخراتها حتى تتاح لها الفرصة لكي تستبدل السلعة المستهلكة بمصدر متجدد للإنتاج .. والطريق الوحيد أن تستبدل البترول بالمصنع أو بالحقل .. أو بكليهما معاً، ولكن ليس بالخبز واللحم والقماش القادم من ليفربول، لأن ذلك ليس إنتاجاً مباشراً وليس إنماءً لأي مصدر حقيقي .. إنه مجرد عملية مقايضة بالمدخرات.
هذه الفرصة هي مسؤولية الشعب وحده ..
والذين يحاولون إلقاءها فوق كتف الدولة يرتكبون خطاً بدائياً فيما يخص فهم الديمقراطية الحرة، فنحن اخترنا نظاماً دستورياً مباشراً للحكم، ومن خصائص هذا النظام أن يبدأ دائماً من القاعدة .. فكل ليبي قد نال فرصته في تنمية مخصصاته داخل نطاق رأس مال الكلي .. وكل ليبي ما يزال يملك الفرصة في زيادة هذا النطاق إلى أي حدّ يمكن تصوره، والدولة لا تملك قانوناً واحداً تستطيع بموجبه أن تحدد وجهة الإنفاق لذا فإن إقحام الدولة في مشكلة الاستهلاك مجرد هروب من مواجهة المسؤولية التي يتحملها كل فرد في بلادنا عبر رغبته في المحافظة على النظام المطلوب .. وبكلمة أخرى فإن وزارة الزراعة لا تستطيع أن ترغم أحد المتعهدين بالتخلي عن سيارتين من قوافل سياراته لكي يستثمر ثمنها في شراء آلة حرث لأن ذلك المتعهد يظفر بحماية الدستور الذي يعطيه الحق في أن ينفق نقوده كيفما يشاء .. ووزارة الصناعة لا تستطيع أن ترغم أحد بناة العمارات على إنشاء مصنع أو نول نسج لأن القانون لا يجيز لها أن تفعل ذلك.
فالمشكلة تخص الفرد العاجز عن فهم مسؤوليته تجاه الديمقراطية التي ينعم بها .. وليس ثمة عمل أسوأ من أن يجلس المتعهدون وبناة العمارات في المقاهي ويطالبوا الدولة بزراعة ليبيا ودّها بالمصانع.
فالدولة لا تستطيع أن تفعل ذلك إلا إذا غيّرت نظامها، وحملت المتعهدين إلى السجن وصادرت ممتلكاتهم باعتبارها استثماراً سيئاً .. وهذا آخر ما يتمنى أي ليبي أن يحدث له.
فالديمقراطية تبدو مريحة في نهاية المطاف وبناة العمارات وقوافل السيارات النقل مازالوا – رغم حماسهم يوم الاستقلال - بعيدين بعداً محزناً عن مصلحة ليبيا .. ولكنهم عندما يجلسون في أحد المقاهي ويتكلمون في السياسة والاقتصاد وفي واجبات الدولة يحس المرء كأنهم هبطوا لتوهم من السماء في غلاف الملائكة .. وكأن الدولة لا شأن لها سوى تعذيب هؤلاء الملائكة بعلب البصل المحفوظ القادم من أمستردام.
فالأكاذيب لا حدّ لها ..
والرجال في ليبيا مازالوا يفهمون الوطنية باعتبارها صراخاً من إهمال الدولة وحدها ..وتجميع الأكاذيب المخجلة فوق أرصفة المقاهي في أيام العطلة ..والجري خلال أشهر الصيف وراء مؤجري الشقق المفروشة وباعة البنات على طول ساحل الفقراء مستعرضين حصيلتهم من مدخرات ليبيا، كأن تلك النقود قد جاءت بطريقة العرق الشريف ..
فهل تكفي مائة بئر مليئة بالبترول؟.
وهل يكفي الجبل الأخضر إذا حوّله ميداس إلى ذهب؟ فإننا ما زلنا – رغم وطنية الأغنياء ودموعهم – شعباً فقيراً محدود الموارد إلى حد محزن، وما زالت آلاف الأميال من أرضنا تحترق في الشمس وأسماكنا يبيعها الصيادون في اليونان .. وخرافنا تتضاءل باطراد عبر المراعي المهجورة على الدوام ..
وهذا العمل السيئ لم تفعله الدولة .. بل الشعب .
المتعهدون وبناة العمارات .. الذين لم يكفوا عن ردم نقودهم في أزيار القديد منذ أن أعطتهم الدولة منحة الحرية ..
وهذه الحقيقة الأولية المحزنة .
لا بدّ أن يذكرها المرء في أعياد الاستقلال .. مثل قصائد الشعر مثل قافية الطاء لكي يعرف شعبنا حقيقة الدموع التي يذرفها الحواة على أرصفة المقاهي .. ونوع المشكلة التي تواجهها الدولة لكي تزرع ليبيا أو تمدّها بالمصانع.
فقد أحرقت الأكاذيب صدر المقاهي ..
وأحرقتها العمارات .. وأحزان المتعهدين !.
* سبق نشره في صحيفة الحقيقة يوم 24 ديسمبر 1966.
كتبها جابر العبيدي في 05:45 مساءً ::
الاسم: جابر العبيدي
