
خطوط أولية لنقد الاقتصاد السياسي (7)
فريدريك إنجلس
ملاحظة:
كتبه إنجلس في أواخر 1842 – كانون الثاني (يناير) 1844.
صدر في مجلة ”Deutsch- Franzosische Jahrbucher” سنة 1844
لقد نشأ الاقتصاد السياسي كعاقبة طبيعية لانتشار التجارة، ومعه ظهر، في مكان المتاجرة البسيطة غير العلمية، نظام متطور للغش الجائز، علم كامل للإثراء.
إن هذا الاقتصاد السياسي، أو علم الإثراء، الذي نشأ من حسد التجار المتبادل وجشعهم، يحمل على ملامحه خاتم الطمع الأشد تنفيراً. وكان الناس لا يزالون يعيشون بالتصور الساذج الزاعم أن الثروة تكمن في الذهب والفضة وأنه ينبغي لهذا السبب أن يصار في كل مكان وبأسرع ما يمكن إلى منع تصدير المعادن ”الكريمة”. وكانت الأمم تقف بعضها ضد بعض أشبه بلئام يقبض كل منهم بيديه الاثنتين كيس النقود العزيز عليه ويتلفت بحسد وارتياب إلى جيرانه. وقد استعملت جميع الوسائل لابتزاز أكبر قدر ممكن من النقود من الشعوب التي كانت تقوم معها علاقات تجارية، وللاحتفاظ بشدة وثبات، وراء الحواجز الجمركية، بالنقود المستوردة بسلامة.
ولو طُبق هذا المبدأ بكل تتابع وانسجام، لقتل التجارة. ولهذا طفقوا يتجاوزون حدود هذه الدرجة الأولى؛ وأصبح واضحاً أن الرأسمال القابع بلا حركة في الصندوق ميت بينما يتنامى على الدوام في التداول. ولهذا صارت العلاقات بين الأمم أكثر مودة؛ وشرع الناس يسكون دوكاتهم كطعم لكي تعود هذه الدوكات إليهم مع دوكات أخرى، واعتبروا أنه ليس من الخسارة إطلاقاً دفع مبلغ أكبر من اللازم للسيد ”أ” لقاء بضاعته ما دام يمكن بيع هذه البضاعة من السيد ”ب” بثمن أكبر أيضاً.
وعلى هذا الأساس بني النظام المركنتيلي. وصار طابع التجارة الجشع مموهاً نوعاً ما؛ وبدأت الأمم تتقارب شيئاً فشيئاً، وتعقد المعاهدات التجارية ومعاهدات الصداقة، ودخلت في صفقات تجارية بعضها مع بعض، وعاملت بعضها بعضاً بكل ضروب المجاملة، وقدمت بعضها لبعض الخدمات الطيبة. ولكن هذا كان من حيث الجوهر الطمع القديم بالنقود، والجشع القديم، وبين الفينة والفينة كان الطمع والجشع يتجليان في الحروب التي كان يثيرها التنافس التجاري دائماً في تلك المرحلة. وهذه الحروب بيّنت كذلك أن التجارة، مثل النهب، ترتكز على حق القبضة؛ وبدون أي وخز في الضمير حاولوا التوصل بالدهاء أو العنف إلى معاهدات تعتبر أنفع المعاهدات.
إن نظرية الميزان التجاري هي النقطة المركزية في النظام المركنتيلي كله. ولأن الآراء الزاعمة أن الثروة تتلخص في الذهب والفضة كانت لا تزال مترسخة بعناد، لهذا السبب بالذات، كانوا لا يعتبرون من الرابح غير الشؤون التي يقارنون بين التصدير والاستيراد. فإذا كان التصدير أكبر من الاستيراد، فقد كانوا يعتبرون أن الفرق وصل إلى البلد نقوداً وأن ثروته قد ازدادت بفضل هذا الفرق. وهكذا تلخص فن الاقتصاديين في الحرص على أن يعطى التصدير في نهاية كل سنة ميزاناً ملائماً ضد الاستيراد؛ وفي صالح هذا الوهم المضحك، ضُحّي بآلاف الناس! وللتجارة أيضاً كانت حملاتها الصليبية ومحاكمها التفتيشية.
إن القرن الثامن عشر، قرن الثورات، قد ثوّر الاقتصاد السياسي أيضاً. ولكن كما أن جميع ثورات هذا القرن كانت أحادية الجانب، وبقيت في إطار التضاد، وكما كانت الروحانية المجردة مضادة للمادية المجردة، والملكية للجمهورية، والحق الرباني للعقد الاجتماعي، كذلك الثورة في الاقتصاد السياسي لم تذلل التضادات، ففي كل مكان بقيت المقدمات ذاتها؛ ولم تمس المادية الازدراء المسيحي حيال الإنسان وإذلاله، ولم تفعل غير أن جعلت الطبيعة، عوضاً عن الإله المسيحي، مطلقاً، مضادة للإنسان؛ ثم إن السياسة لم تفكر في دراسة مقدمات الدولة بالذات؛ ولم يخطر في بال الاقتصاد السياسي أن يطرح مسألة شرعية الملكية الخاصة. ولهذا لم يكن الاقتصاد السياسي الجديد غير نصف التقدم؛ وقد اضطر إلى خيانة مقدماته بالذات وإلى التنكر لها، وإلى الاستنجاد بالسفسطائية والنفاق، لكي يخفي التناقضات التي تخبط بها، ولكي يخلص إلى تلك الاستنتاجات التي دفعته إليها، لا مقدماته، بل روح القرن الإنسانية. وهكذا اتخذ الاقتصاد السياسي طابع الخيرية؛ وحرم المنتجين حسن التفاته وأنعم به على المستهلكين؛ وأعلن رياءً ونفاقاً اشمئزازه الورع من فظائع النظام المركنتيلي الدامية، وأعلن أن التجارة تخدم أواصر الصداقة والوحدة، سواء بين الشعوب أم بين الأفراد. كان كل شيء تألقاً وروعة، - ولكن سرعان ما أثبتت المقدمات وجودها من جديد، وأسفرت، على نقيض الخيرية المتألقة، عن نشوء نظرية مالتوس عن السكان، عن نشوء هذا النظام الأشد فظاظة، الأشد بربرية، بين جميع الأنظمة التي رأت النور يوماً، نظام اليأس الذي يمتهن جميع الأقاويل الرائعة عن الحب والإنسان والمواطنية العالمية. إن هذه المقدمات قد ولدت النظام المصنعي والعبودية المعاصرة ورفعتهما إلى مستوى لا يقل في شيء عن العبودية القديمة من حيث اللاإنسانية والقساوة. وقد تبين أن الاقتصاد السياسي الجديد، نظام حرية التجارة، القائم على مؤلف آدم سميث ”ثروة الشعوب” يعكس ذلك النفاق والتذبذب واللاأخلاقية التي تضاد الآن النزعة الإنسانية الحرة في جميع الميادين.
ولكن ألم يكن نظام سميث، يا ترى، تقدماً؟ – بالطبع كان تقدماً، ناهيك بأنه كان تقدماً ضرورياً. فقد كان من الضروري دك النظام المركنتيلي مع احتكاراته ومع تضييقاته على العلاقات التجارية، لكي يمكن أن تتكشف العواقب الحقيقية للملكية الخاصة، كان من الضروري أن تتراجع إلى المرتبة الثانية جميع هذه الاعتبارات المحلية والوطنية التافهة لكي يمكن أن يصبح النضال في زمننا عاماً، إنسانياً؛ كان من الضروري أن تنصرف نظرية الملكية الخاصة عن سبيل البحوث التجريبي الصرف والموضوعاني الصرف وتتخذ طابعاً أكثر علمية يجعلها مسؤولة عن العواقب أيضاً، وأن تنقل بالتالي القضية إلى الميدان الإنساني العام؛ أن يصار إلى دفع اللاأخلاقية الكامنة في الاقتصاد السياسي القديم إلى الذروة بمحاولة نفيها وإدخال النفاق كعاقبة ضرورية لهذه المحاولة. كل هذا كان في سياق الأمور. ونحن نعترف بطيبة خاطر بأن تعليل وتحقيق حرية التجارة هما وحدهما اللذان أتاحا لنا تخطي حدود الاقتصاد السياسي للملكية الخاصة، ولكن يجب في الوقت نفسه أن يكون لنا الحق في تصوير حرية التجارة هذه بكل حقارتها النظرية والعملية.
يجب أن يزداد حكمنا صرامة بقدر ما يكون أولئك الاقتصاديون الذين لا يزال يتعين علينا أن نبدي رأينا بصددهم أقرب إلى زمننا، لأنه بينما لم يجد سميث ومالتوس تحت تصرفهما بشكل جاهز إلا بعض العناصر، كان أمام أحدث الاقتصاديين نظام اقتصادي كامل؛ وقد تم استخلاص جميع الاستنتاجات، وتم استيضاح التناقضات بما يكفي من الدقة، ومع ذلك لم يصلوا إلى بحث المقدمات، ولا يزالون يأخذون على عاتقهم المسؤولية عن النظام بمجمله. وبقدر ما يكون الاقتصاديون أقرب إلى زمننا، بقدر ما يكونون بعيدين عن الاستقامة. ومع كل تقدم في الزمن، يشتد التفلسف السفسطائي بالضرورة لأجل إبقاء الاقتصاد السياسي في مستوى العصر. ولهذا، مثلاً، كان ريكاردو مذنباً أكثر من آدم سميث، وماك – كولوخ وميل مذنبين أكثر من ريكاردو.
إن الاقتصاد السياسي الحديث لا يستطيع أن يقيِّم بصورة صحيحة حتى النظام المركنتيلي لأنه هو نفسه يتسم بطابع أحادي الجانب ولا يزال مثقلاً بمقدمات المركنتيلية. ولن تستطيع أن تبين للنظامين مكانهما الحقيقي غير وجهة نظر تسمو فوق التضاد بين النظامين وتنتقد مقدماتهما المشتركة وتنطلق من أساس عام، إنساني بحتاً، عام. وآنذاك سيتبين أن المدافعين عن حرية التجارة احتكاريون أردأ من المركنتيليين القدماء بالذات. وآنذاك سيتبين أن إنسانية الاقتصاديين الجدد المنافقة تستر بربرية كان الاقتصاديون القدماء يجهلونها تماماً، وأن تشوش المفاهيم عند الاقتصاديين القدماء بسيط ومنسجم بالمقارنة مع منطق أخصامهم الزائف؛ وإنه ليس بوسع أي من الطرفين أن يوجه إلى الآخر ملامة لا تنقلب عليه بالذات. – ولهذا لا يستطيع الاقتصاد السياسي الليبرالي الحديث أن يفهم إعادة النظام المركنتيلي من قبل ليست، في حين أن المسألة بسيطة جداً بالنسبة لنا. فإن الاقتصاد السياسي الليبرالي المتذبذب والمنافق لا بد له من الانشطار بالضرورة من جديد إلى أقسامه المكونة الأساسية. وكما أنه لا بد للاهوت من أن يعود إلى إيمانه الأعمى أو أن يسير إلى الأمام نحو الفلسفة الحرة، كذلك لا بد لحرية التجارة أن تؤدي في جانب إلى عودة الاحتكار، وفي جانب آخر إلى القضاء على الملكية الخاصة.
إن الإنجاز الإيجابي الوحيد الذي حققه الاقتصاد السياسي الليبرالي إنما هو صياغة قوانين الملكية الخاصة. وهذه القوانين ترد فعلاً فيه، وإن لم تكن مطوَّرة بعد حتى الاستنتاجات الأخيرة ومصاغة بوضوح. ومن هنا ينجم أن المدافعين عن حرية التجارة على حق في جميع النقاط التي يتناول فيها الكلام البحث عن أقصر سبيل إلى الإثراء وبالتالي في جميع المجادلات الاقتصادية البحتة، - وطبعاً في المجادلات مع أنصار الاحتكار، وليس مع أخصام الملكية الخاصة، لأن أخصام الملكية الخاصة، كما برهن على هذا الاشتراكيون الإنجليز من زمان في التطبيق وفي النظرية، قادرون من وجهة النظر الاقتصادية أيضاً، على حل المسائل الاقتصادية حلاً أصح.
وهكذا، في معرض انتقاد الاقتصاد السياسي، سنبحث المقولات الأساسية، ونكشف التناقض الذي حمله نظام حرية التجارة، ونستخلص الاستنتاجات النابعة من طرفي هذا التناقض.
___________
لقد ظهر تعبير ”الثروة الوطنية” للمرة الأولى بفضل سعي الاقتصاديين الليبراليين إلى التعميمات. ولكن لا معنى لهذا التعبير ما دامت الملكية الخاصة قائمة. إن ”ثروة” الإنجليز ”الوطنية” عظيمة جداً، ولكنهم مع ذلك أفقر شعب في العالم. ينبغي، إما طرح هذا التعبير جانباً تماماً، وإما اتخاذ مقدمات يكسب بموجبها معنى. والقول نفسه يصح على التعابير: الاقتصاد الوطني، الاقتصاد السياسي، الاقتصاد الاجتماعي. ونظراً لوضع الأمور الراهن، ينبغي تسمية هذا العلم بعلم الاقتصاد الخاص، لأن العلاقات الاجتماعية لا تتواجد بالنسبة له إلا في صالح الملكية الخاصة.
________
التجارة– تبادل الأشياء الضرورية، البيع والشراء – عاقبة مباشرة للملكية الخاصة. وهذه التجارة، مثل كل نشاط آخر، لا بد لها، في ظل سيادة الملكية الخاصة، من أن تصبح مصدراً مباشراً للدخل بالنسبة للتاجر، وهذا يعني أنه ينبغي على كل تاجر أن يحاول أن يبيع بأغلى ما يمكن ويشتري بأرخص ما يمكن. ومن هنا ينجم أن شخصين لهما مصالح متضادة تماماً يقفان أحدهما ضد الآخر في كل عملية بيع وشراء. وإن النزاع يتسم بطابع عدائي حقاً وفعلاً، لأن كلاً منهما يعرف نوايا الآخر، يعف أن هذه النوايا مضادة لنواياه. ولهذا كانت العاقبة الأولى للتجارة، من جهة، عدم الثقة المتبادل، ومن جهة أخرى، تبرير عدم الثقة هذا، وتطبيق الوسائل اللاأخلاقية لأجل بلوغ هدف لاأخلاقي. فإن القاعدة الأولى في التجارة، مثلاً، هي لزوم الصمت، إخفاء كل ما من شأنه أن يخفض ثمن البضاعة المعنية. ومن هنا الاستنتاج التالي: يجوز في التجارة استخلاص أكبر نفع ممكن من عدم اطلاع الجانب المضاد، من سرعة تصديقه، كما يجوز بالقدر نفسه للتاجر أن ينسب إلى بضاعته صفات لا تملكها. خلاصة القول إن التجارة خداع يجيزه القانون. أما إن الممارسة تتطابق مع هذه النظرية، ففي وسع أي تاجر أن يؤكد هذا، إذا أراد قول الحقيقة.
ثم إن النظام المركنتيلي كان يتميز أيضاً، بدرجة معينة، بصراحة ساذجة، كاثوليكية، ولم يكن يخفي جوهر التجارة اللاأخلاقي. وقد رأينا كيف عرض على المكشوف جشعه الدنيء. لقد كان التعادي بين الشعوب في القرن الثامن عشر، والحسد الكريه، والتنافس التجاري عاقبة محتمة للتجارة على العموم. فإن الرأي العام لم يكن قد اكتسب بعد الصفات الإنسانية، - ولذا، أي داع كان يدعو إلى إخفاء ما كان ينبع مباشرة من جوهر التجارة ذاتها اللاإنساني، المفعم بالعداء؟
ولكن، عندما شرع لوتر الاقتصاد السياسي، آدم سميث، ينتقد الاقتصاد السياسي السابق، تغير وضع الأمور كثيراً. فقد صار العصر أكثر إنسانية، وشق العقل لنفسه طريقاً، وأخذت الأخلاقية تدّعي بحقها الخالد. ودخلت المعاهدات التجارية المفروضة بالقوة، والحروب التجارية، وانعزال الشعوب الشديد، في تناقض حاد جداً مع الوعي المتقدم. ومحل الصراحة الكاثوليكية حل النفاق البروتستانتي. وزعم سميث أن للنزعة الإنسانية أيضاً أساساً في جوهر التجارة، عوضاً عن ”أن تكون أغزر منبع للخلافات والعداوة”، إنما ينبغي لها أن تخدم ”أواصر الوحدة والصداقة سواء بين الشعوب أم بين الأفراد” (راجع ”ثروة الشعوب”، الكتاب الرابع، الفصل الثالث، الفقرة الثانية)؛ ذلك أن التجارة، كما يزعم، تنطوي، بحكم طبيعتها بالذات، على كونها نافعة عموماً وإجمالاً لأجل جميع المشتركين فيها.
كان سميث على حق حين أعلن أن التجارة إنسانية. وليس ثمة في الدنيا أي شيء لاإنساني إطلاقاً؛ وفي التجارة يوجد جانب تلقى فيه الأخلاقية والنزعة الإنسانية حق التقدير. ولكن ما أكثر ما تلقيا حق التقدير! إن حق القبضة القروسطي، السلب السافر على الطريق العريض، صار إنسانياً نوعاً ما حين تحول إلى تجارة، وصارت التجارة إنسانية نوعاً ما حين تحولت درجتها الأولى التي تتصف بمنع تصدير النقود إلى نظام مركنتيلي. والآن صار هذا النظام نفسه هو أيضاً إنسانياً نوعاً ما. وبديهي أن من مصلحة التاجر أن يقيم علاقات طيبة سواء مع من يشتري منه برخص أم مع من يبيعه بغلاء. ولهذا تتصرف ببالغ الغباوة تلك الأمة التي تثير في نفوس مزوديها وزبائنها شعور العداء حيالها. وبقدر ما تزداد علاقاتها مودة، بقدر ما يزداد نفعها. هنا تكمن إنسانية التجارة؛ وهذا الأسلوب المرائي لسوء استغلال الأخلاقية في سبيل أهداف لاأخلاقية هو موضع اعتزاز نظام حرية التجارة. يصيح المنافقون: أولم ندك بربرية الاحتكار، أولم نحمل الحضارة إلى أبعد زوايا الكرة الأرضية، أولم نبنِ أخوية الشعوب، أولم نقلل عدد الحروب؟ – أجل، كل هذا فعلتموه، ولكن كيف فعلتموه!؟ فقد قضيتم على الاحتكارات الصغيرة لكي يتطور الاحتكار الأساسي الكبير بمزيد من الحرية ومزيد من الطلاقة هو الملكية؛ وحملتم الحضارة إلى جميع أطراف الدنيا لكي تكسبوا تربة جديدة لأجل تطوير جشعكم الدنيء؛ لقد آخيتم بين الشعوب ولكن بأخوية اللصوص، وقللتم عدد الحروب لكي تبتزوا المزيد في زمن السلم، لكي تؤزموا إلى الحد الأقصى العداوة بين الأفراد، وحرب التنافس الشائنة! – أين فعلتم شيئاً ما انطلاقاً من الدوافع الإنسانية البحتة، من إدراك أن التضاد بين المصلحة العامة والمصلحة الفردية لا يملك الحق في الوجود؟ هل كنتم يوماً ما أخلاقيين دون أن تكون لكم مصلحة في هذا، دون أن تخفوا في أعماق نفوسكم البواعث اللاأخلاقية، الأنانية؟
بعد أن فعل الاقتصاد السياسي الليبرالي ما يتوقف عليه، لكي يجعل العداوة عامة عن طريق إبادة القوميات، ولكي يحول البشرية إلى قطيع من الوحوش الضارية، - لأنه ما عسى أن يكون المتنافسون إن لم يكونوا كذلك؟ – التي تلتهم بعضها بعضاً للسبب التالي بالذات، وهو أن لكل مصلحة واحدة مع الغير، - بعد هذا العمل التمهيدي، بقي له أن يخطو في الطريق إلى الهدف خطوة أخرى فقط – انحلال العائلة. ولبلوغ هذا الهدف، مدّ له يد المساعدة اختراعه اللطيف بالذات – النظام المصنعي. فإن البقايا الأخيرة للمصالح العامة – الوحدة العائلية للأموال، قد قوضها النظام المصنعي، وهي تتواجد – هنا، في إنجلترا، على الأقل – بسبيل الانحلال. وصارت الظاهرة التالية عادية تماماً، وهي أن الأولاد، ما أن يصبحوا بالكد قادرين على العمل، أي ما أن يبلغوا التاسعة من العمر، حتى ينفقوا على أنفسهم أجورهم، ويروا في البيت الأبوي مجرد مأوى مدفوع الأجر، ويعطوا والديهم جزاء معيناً لقاء المائدة والمسكن. وهل يمكن أن يكون الحال غير ذلك؟ وهل يمكن أن يحصل أمر آخر من انعزال المصالح القائم في أساس نظام حرية التجارة؟ وما أن يبدأ تحريك مبدأ ما حتى يشبع بنفسه جميع عواقبه، بصرف النظر عما إذا كان هذا يطيب للاقتصاديين أم لا.
ولكن الاقتصادي نفسه لا يعرف أية قضية يخدم؛ لا يعرف أنه ب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |